منتديات سيفن ستارز
عزيزى الزائر نتمنى ان تكون فى تمام الصحة والعافية نتمنا ان تسجل معنا وانشاء الله تفيدنا وتستفيد منا المدير العام لمنتديات سيفن ستارز




 
الرئيسيةالبوابةاليوميةبحـثالتسجيلدخول
ارجو من الساده الاعضاء القدامى تعديل بيانتهم الشخصية
ياجماعة انصحكم بالدخول على المنتدى بالمتصفع العملاق Mozilla Firefox
مشاركتك بالموضوعات تعنى أنك قرأت قانون المنتدى ، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا الموضوع او الردود
تتقدم منتديات سيفن ستارز بأحر التهانى القلبية للأخت رونى المحامية المشرفة على المنتدى القانونى وذلك بمناسبة الزواج السعيد نسأل الله لها التوفيق فى حياتها وألف مليون مبروك لها ولزوجها الأستاذ /حسين إبراهيم حسين وعقبال البكارى وحياة سعيدة ملؤها التراحم والمحبة والقرب من الله
على السادة الأعضاء الإلتزام بالأقسام النوعية للمنتدى عند تقديم مساهماتهم حيث يكون كل موضوع داخل القسم الخاص به حتى يعطى الشكل المطلوب مع سهولة الوصول إليه لكل متصفح .فالموضوعات الخاصة بالمرأة داخل منتدى المرأة .والموضوعات التى تتحدث عن الإسلام توضع فى المنتدى الإسلامى   ...وهكذا ..ونشكر لكم حسن العمل .كما نشكركم على الأداء الممتاز داخل المنتديات..كما نحذر من الخوض أو التطرق لما يمس الغير أو التهجم أو إذدراء الأديان أو الخوض فى موضوعات سياسيه..المنتديات  أصلاً ..منشأة لتبنى وجهة النظر الأجتماعيه والإسلاميه لأهل السنة والجماعة دون التقليل من الغير بل الإحترام المتبادل..وللجميع ودون تميز بجنس أو نوع أو دين أو لون وشكراً لكم جميعاً...
إدارة المنتديات...سيفن ستارز.

شاطر | 
 

 جمال عبد الناصر .. مثقف ثوري من طراز فريد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسن الذهبى
عضو stars
عضو stars


اسم العضو : حسن الذهبى
الجنس : ذكر عدد المساهمات : 1818
تاريخ الميلاد : 11/03/1956
تاريخ التسجيل : 16/01/2014
العمر : 60
المزاج عال

مُساهمةموضوع: جمال عبد الناصر .. مثقف ثوري من طراز فريد   الأحد يوليو 24, 2016 6:55 am

‎Mohammed Haffz‎‏ من قبل ‏‎Hassan Margawy‎‏.
أمس الساعة ‏05:42 ص‏ · 





Mohammed Haffz
‏22 يوليو‏، الساعة ‏10:39 مساءً‏ · 

جمال عبد الناصر .. مثقف ثوري من طراز فريد
===========================
بقلم : دكتور صفوت حاتم
------------------------
تناولت في دراسات عديدة سابقة تجربة ثورة يوليو 1952 من جوانب متعددة .. كان منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي .. لكنني قاومت لفترة طويلة إغراء الكتابة عن " عبد الناصر الإنسان " لأسباب متعددة .
كان أهمها إعتقادي أن الأشخاص الذي إقتربوا من الرئيس عبد الناصر , بحكم مسئولياتهم , أقدر مني على الكتابة عن جوانب شخصيته الإنسانية .
رغم أن معظمها ظل محكوماً بمواقف هؤلاء ودرجة قربهم من شخص الرئيس .
فضلا عن أن زوايا رؤيتهم لشخصية الرئيس تختلف بإختلاف ثقافتهم ومواهبهم الشخصية التي تجعلهم يركزون على جوانب معينة ولا يرون غيرها .
المهم : أن إغراء الكتابة الشخصية عن عبد الناصر الشخص لم تخمد في داخلي رغم كل هذه السنين .
. ولكن ماذا أكتب ؟
في النهاية أطلقت السراح " لإعجابي " الدفين بشخصية عبد الناصر لكتابة هذه الدراسة عن عبد الناصر المثقف .. عن عبد الناصر القارئ النهم .. عن عبد الناصر المحاور الذكي .. عن عبد الناصر الدائب الإطلاع .. عن عبد الناصر صاحب الذاكرة الحديدية .. عن عبد الناصر الحريص في اختيار الألفاظ والتعبيرات .
من أين نبدأ ؟
النشأة الفكرية
تعلمنا مقولات " علم اجتماع المعرفة " (وهو العلم الذي يبحث في شروط وظروف انبثاق المعرفة الإنسانية ) أن " الفكر البشري " لا يأتي من فراغ أو من بالتدريب الذهني المحض , بل ينبغي الربط بين أفكار البشر وبين الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي ظهرت في سياقه باعتباره واقعا تاريخيا . ذلك أن فهم الأفكار أو المذاهب السياسية أو النظريات العلمية أو الشخصيات السياسية ليس مقطوع الصلة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي نشأت فيها , خاصة إذا سلمنا بالعلاقة الجدلية بين عالم الفكر وعالم الواقع . وهكذا يمكن أن نقول أن دراسة فكر أي فيلسوف أو زعيم سياسي دون البحث في نشأته الاجتماعية التي نمى داخلها أو دون بحث في الأفكار والثقافات التي تلقاها في صغره هو نوع من الهراء . فالفيلسوف أو الزعيم السياسي هو نتاج عصره وأسرته ووطنه وبالتالي يتعين البحث عن أصول النظريات والأفكار في أحشاء المرحلة التاريخية التي عاشها وأبدع فيها فكره أو مذهبه أو نظريته .
كل هذا اصبح بديهيا أو يكاد , ومن ثم يجدر بنا قبل دراسة سلوك عبد الناصر النظري أن نقترب من نشأته الفكرية في مراحل الشباب و التي أثرت على منهجه في الرؤية والتحليل والسلوك .
ذاكرة عبد الناصر
أول ما يلفت النظر في شخصية جمال عبد الناصر هي ذاكرته الحادة .. وقدرته على إستعادة ما يقرأه من كتب .. وأسماء مؤلفيها عند الحاجة إليها .
كان عبد الناصر يتمتع بذاكرة مدهشة وقدرة غير عادية على الاستيعاب لما يقرأ ومهارة خاصة في استحضار المعلومات التي يختزنها في عقله في أي وقت .
وقد مكنته تلك " الموهبة الآلهية " من امتلاك قدرات جدلية مثيرة للإعجاب بشكل حقيقي .
ولكي يدرك معي القارئ هذه " الموهبة النافذة ".. أي ذاكرة الرئيس " الحديدية " سأقتطف للقارئ هذه الواقعة التي لفتت إنتباهي في حوار كان يجريه جمال عبد الناصر مع قادة حزب البعث في سوريا والعراق في أبريل / نيسان 1963 .. وهي تبيّن قدراته على إستعادة ما يقرأه بسهولة .
وإليكم جزء من الحوار الذي أجراه الرئيس عبد الناصر مع قادة حزب البعث :
- الرئيس عبد الناصر : … انا باقول ما فيش خلاف مذهبي .. لسبب بسيط جدا ..لأن أنا ما عرفش ماهي عقائدية حزب البعث لغاية دلوقت .. انا قريت دستور حزب البعث .. وقريت الكتابين اللي مطلعهم حزب البعث .. وقريت الكتاب اللي جامع مقالات منها مقالة للأخ زهور أظن .. مش كده .. اللي عن الاشتراكية .. قريته بالتفصيل .. إيه المذهبية !! .. أنا مش شايفها ..
ماهي قضية حزب البعث ؟
ماهي عقائدية حزب البعث ؟ غير موجودة أبدا.. فخلاف مذهبي ما فيش ..
الخلاف هو خلاف شخصي ..
- السيد صلاح البيطار : لا سيادة الرئيس … يعني .. بتظلمنا كتير ..
-الرئيس جمال عبد الناصر : نقعد بقه بنعمل جلسة في هذا ونناقش المذهبية العقائدية .. بامسك جريدة البعث .. جريدة البعث جايبة كتاب مؤلفه ستالين وبتنقل منه .. الكتاب أسمه " اللينينية " ..أنا قعدت مرة أقرأ بعض إفتتاحيات جريدة البعث .. وبعدين اكتشفت اني قريت هذا الكلام من قبل .. دورت فين .. فين .. وانا أعتقد ان ذاكرتي كويسة والحمد لله .. بعدين افتكرت فين .. في كتاب صغير زي ما قلت لك اسمه " اللينينة " .. جميع الكلمات المكتوبة في افتتاحيات البعث في الفترة الأخيرة نقلا من هذا الكتاب .. وعندي الكتاب وعندي الجريدة .. وإتفضلوا قارنوا"…(
يظهر من هذا الحوار كم كانت ذاكرة عبد الناصر حادة .. وكم كانت قدراته عالية في إستدعاء معلوماته وقت الحاجة .
وهذه الموهبة تكشف عن جانب من الشخصية الإنسانية .. وهو جانب التركيز والإستغراق في العمل والنزوع الداخلي للإهتمام بالتفصيلات الدقيقة والقدرة على إستحضار المعلومة في الظروف المشابهة عند اللزوم والإحاطة بكل جوانب المشكلة التي يعالجها .
وتُظهر - ضمن ما تُظهر - نزوعه الداخلي لبلوغ درجة عليا من الإتقان لا تتم والإهتمام بالتفاصيل الدقيقة .
وبالفعل .. فلقد أشار كثير ممن قابلوا الرئيس عبد الناصر بذاكرته الحادة , وقدرته على استعادة المواقف والاحداث والاشخاص بدقة مبهرة .
وهذه الملاحظة تعتبر مقدمة ضرورية لفهم شخصية عبد الناصر " المثقف " .
من أين نبدأ ؟؟
من الثقافة الليبرالية
يؤكد كثير من الباحثين في طبيعة الزعامة الناصرية أن الممارسة العملية كانت هي المدرسة الأساسية في تطور أفكاره .
ويعتقد هؤلاء الباحثون أن قيادات وزعامات العالم الثالث بشكل عام , وعبد الناصر بشكل خاص , نموا من الخلال الممارسة وقلما ما يسبق هذه الممارسة فكر نظري كامل أو متكامل .
وهؤلاء الباحثون يرون ان العودة الى التنشئة الفكرية لعبد الناصر في مرحلة الشباب الأولى تظهرها منصبة بشكل أساسي على الموضوعات الليبرالية العامة التي كان يكتبها جيل الثلاثينات والأربعينات من مثقفي مصر والذين كانوا ليبراليين في معظمهم .
ولكننا نرى أن الفكر الليبرالي لم يكن يستحوز على مساحة فكرية كبيرة في ذهن عبد الناصر .
بل أن قراءاته المبكرة تظهر بدايات لإهتمامات بالفكر الإشتراكي في صورته الإصلاحية كما أوضح هو نفسه في حديث منشور له مع مراسل " الصنداي تايمز " الإنجليزية " دافيد وين مورجان " في حديثه الذي نشر في يونيو / حزيران عام 1962.
يقول عبد الناصر " لمورجان " : " … لقد ركزت حتى عام 1948 على تأليف نواة من الناس الذين بلغ استياؤهم من مجرى الأمور في مصر نفس مبلغ استيائي – والذين توافرت لديهم الشجاعة الكافية والتصميم الكافي للإقدام على التغيير اللازم – وكنا يومئذ جماعة صغيرة من الأصدقاء المخلصين نحاول أن نخرج مثلنا العليا العامة في هدف مشترك وفي خطة مشتركة – وكانت بي رغبة عارمة للمعرفة – فأقبلت على الإطلاع بنهم والتهمت كتب المفكرين من أمثال : " لاسكي " و " نهرو " بل و " انيورين بيفان " وبدأت الأفكار الاشتراكية تتكون شيئا فشيئا " .
من هذا المقطع نعرف أن عبد الناصر لم يكن منبهرا بالفكر الليبرالي – كمعظم أبناء هذه الحقبة - بل كانت ميوله قد بدأت تنحو نحو الفكر الإشتراكي الديمقراطي كما ظهر في كتابات الإشتراكيين الليبراليين في أوروبا أو تجربة الهند ونهرو بالذات .
وهو أمر يثبت أن النزوع الإجتماعي وفكرة العدالة الإجتماعية كانت قد بدأت تظهر جذورها في تكوينه النفسي والفكري كشأن معظم مثقفي مصرفي هذه الفترة فقد كان الإنقسام الإجتماعي الذي تعيشه مصر آنذاك عميقا وحادا وهو ما أطلق عليه عبد الناصر فيما بعد حين تولى السلطة مجتمع النصف في المائة ( حيث كان يحتكر 0,5 % من الشعب المصري أكثر من 50 % من الثروة الوطنية ) .
ولقد أوضحت مسيرة عبد الناصر خلال السنوات الأولى من حكم مصر تأثره بهذه الإشتراكية الإصلاحية التدريجية حينما بدأ يتبنى في نهاية الخمسينات شعار " الإشتراكية التعاونية " . بإختصار يمكن أن نقول أن قرءاته في الفكر الإشتراكي في سنوان تكوينه الأولى كان لها أثر كبير في القطيعة التي حدثت بينه وبين الفكر الليبرالي التقليدي فيما بعد .
الثقافة الماركسية
من ناحية أخرى يرى بعض اليساريين أن هذه " الثقافة الليبرالية " قد منعت " عبد الناصر" من الإطلاع على الفكر الإشتراكي العلمي وبشكل خاص الفكر الماركسي بشكل " عميق " وأنه لم يدرس الفكر اليساري والماركسي بشكل " منهجي " إلا بعد بلوغه السلطة .
وفي اعتقادي أن ذلك غير صحيح .. فقد إطلع " عبد الناصر " بشكل "كافي " ومعمق على الفكر الماركسي في مرحلة شبابه المبكرة وبصورة جعلته قادرا على اتخاذ موقف " عميق " من هذا الفكر .
ويتضح هذا من الحديث الذي أدلى به الى " د . و . مورجان " , عندما سأله هذا الأخير عن تجربته واستكشافاته للأحزاب السياسية المصرية في مرحلة الشباب , فأجاب عليه عبد الناصر قائلا :
" …. لقد فوتحت في عدة مناسبات للانضمام للحزب الشيوعي – لكني رغم دراستي للمذهب الماركسي ولكتابات لينين – وجدت أمامي عقبتين أساسيتين , عقبتين كنت أعلم أن لا سبيل الى التغلب عليهما – العقبة الأولى هي أن الشيوعية في جوهرها ملحدة – وقد كنت دائما مسلما صادقا أؤمن إيمانا لا يتزعزع بوجود قوة فوق البشر هو الذي يهيمن على مصائرنا , ومن المستحيل على أي إنسان أن يكون مسلما صادقا وشيوعيا صادقا .
أما العقبة الثانية فهي أنني أدركت أن الشيوعية معناها بالضرورة سيطرة نوع ما من الأحزاب الشيوعية العالمية - وهذا أيضا ما كنت أرفضه رفضا باتا … " . ( حديث الرئيس مع د. مورجان , مصدر سابق ) .
يتضح من إجابة عبد الناصر " لمورجان " أن " عبد الناصر الشاب " فوتح أكثر من مرة للانضمام للحزب الشيوعي " .
وهو ما يعني " تنظيميا " أنه كان " هدفا " لأعضاء هذا الحزب مع ما يعنيه هذا من نقاشات فكرية مفصلة ومكثفة حول جوانب الفكر الماركسي هدفها إما إقناعه بجوانب الماركسية المختلفة أو التأكد من " اقتناعه " بها تمهيدا لمفاتحته في الانضمام للحزب وهو أمر بديهي في وسائل " التجنيد " داخل الأحزاب العقائدية وبشكل خاص الأحزاب الشيوعية .
ولكن قراءة الماركسية في سنوات الشباب شيء .. وإختبار مقولاتها .. عمليا .. بعد تولي السلطة شيء آخر .
فقد وجد " عبد الناصر " نفسه على قمة السلطة السياسية في بلد كبير ومهم في منطقته .
وهو مطالب ببناء نظام سياسي واجتماعي جديد محاطا بعدد كبير من الزعماء الاشتراكيين الذين جمعتهم به ظروف الحكم والسلطة : تيتو .. شواين لاي .. خروشوف .. نهرو .. كاسترو وجيفارا .. الى آخره .
وكان لابد .. والحال هكذا .. أن يحتك عبد الناصر فكريا بهؤلاء الزعماء .. وأن يكون لهذا " الاحتكاك الفكري " أثره الكبير على فكره ووممارسته ورؤيته للسطلة السياسية والصراعات الدولية حوله .
وهناك نصوص عديدة لعبد الناصر تظهر استيعابه " النقدي " لتجربة البناء الإشتراكي في دول المنظومة الإشتراكية وبشكل خاص تجربة يوغسلافيا التي جمعته بزعيمها " تيتو " صداقة شخصية وفكرية عميقة أثرت على قراراته الخاصة بالبناء الإشتراكي و بشكل خاص فكرة التنظيم السياسي الثوري .
وعن هذه الثقافة الموسوعية يقول الأستاذ " خالد محيي الدين " .. أحد الضباط الأحرار القريبين من جمال عبد الناصر : " ... قرأ جمال عبد الناصر الأدبيات الماركسية القديمة والجديدة.. وألّم بكل الأدبيات الاشتراكية " غير الماركسية " , وخاصة لحزب العمال البريطاني والهند والبلاد الاسكندنافية , ودرس بعناية كل المواضيع الخاصة بالتسلح وسباق التسلح وعلاقاتها بالسياسة الدولية , كذلك قرأ بعناية كل الأدبيات الخاصة بالخلاف الصيني السوفييتي , ثم درس بعناية تجربة التنمية في الهند ويوغسلافيا وكان الهدف من هذه القراءة دائما أن يخرج بشيئ إيجابي حول ماذا يستطيع أن يفعل لبلده ولشعبه ولأمته العربية .
( خالد محيي الدين , دراسة مقدمة لندوة الناصرية والنظام العالمي الجديدعقدت بباريس في نهاية السبعينات )
الثقافة السياسية العامة
من ناحية أخر كان لإاختلاط " عبد الناصر الشاب " بمعظم الحركات السياسية العاملة في الساحة المصرية من اليمين الي اليسار , خاصة بعد إنشاء تنظيم الضباط الأحرار , من الأخوان المسلمين والماركسيين والوفديين ومصر الفتاة والحزب الوطني وكل الحركات الوطنية والديمقراطية , أمده بثقافة سياسية واسعة جعلته يقف ناقدا وانتقائيا مما يعرضون عليه من أفكار وبرامج وسياسات .
ولكن الأهم من " الفهم النظري المجرد " لأفكار ومواقف هذه الجماعات يمكن أن نجذب اهتمام القارئ بشكل خاص الى ما يؤدي اليه هذا " التدريب العملي " على فهم مواقف واتجاهات هذه القوى وأين ومتى يستطيع أن يتعاون أو يتصادم معها وقد زادت هذه الخبرة رسوخا بعد أن تواجد على قمة السلطة السياسية ويناء على المعلومات والاتصالات التي يقوم وبكل الإمكانيات الكبيرة التي توافرت له على رأس السلطة السياسية .
فلقد نمت لديه بعد الوصول للسلطة " موهبة " الإطلاع أول بأول على كل الأحداث السياسية والاقتصادية العالمية من خلال الإطلاع المباشر على أهم الصحف العالمية الكبرى بنفسه وبلغتها الأصلية وكان يعتبر ذلك من " فرائض " الحكم الصحيح .
ولكي يتابع معي القراء- وبشكل خاص الشباب - منهم كيف كان يهتم الرئيس عبد الناصر بمتابعة الصحف العربية والأجنبية بنفسه أسوق هذا الحوار الذي دار بين الرئيس عبد الناصر وقادة حزب البعث بصدد مقال كانت قد نشرته جريدة البعث بعنوان " ملكيون اكثر من الملك "
كان المقال يغمز بطرف خفي للرئيس عبد الناصر ويهاجمه , وعندما عاتب الرئيس قادة حزب البعث على مائدة مباحثات الوحدة الثلاثية عام 1963 , فوجئ ان ليس لديهم علم بالمقال ولم يقرأوه .
إليكم نص الحوار الذي دار بين الرئيس جمال عبد الناصر والأستاذ صلاح البيطار ( رحمهما الله ) :
- السيد صلاح البيطار : " …. أنا بأقول بأنه لم نراه ..لم نراه حتى نكذبه .
- الرئيس جمال عبد الناصر : " ما بتقروش صحف لبنان .. كمان نشرته صحف لبنان .
- السيد صلاح البيطار : " لا ما بنقرأها .
- الرئيس جمال عبد الناصر متسائلا : " لا صحف فرنسا ولا صحف لبنان ؟
- السيد صلاح البيطار : " ما بنقرأها .. ما بتيجي إلنا .. فا ..
- الرئيس جمال عبد الناصر مندهشا : " تبقى مصيبة ! إزاي الكلام ده ؟!
- السيد صلاح البيطار : " فسيادة الرئيس .. لما تقرأه انت .. إتصل فينا ..
- الرئيس جمال عبد الناصر : " ما بتقراش صحف سوريا ولا تقراش صحف لبنان ولا تقراش صحف فرنسا .. تحكم إزاي مش معقول !!
- السيد صلاح البيطار : " طيب حد يتصل فينا ونبلغ عنه .. اكيد ما في .. ما في وقت نقرأ .. ما كان عندنا وقت نقرأ ..
- - الرئيس جمال عبد الناصر : " ده أنا .. انا إمبارح بالليل قاري كل اللي إنكتب في لبنان وفي فرنسا وفي لندن وفي سوريا وبعت جبت نشرات الإستماع اللي قال عليها الأخ صلاح البيطار.. قال ان المقالات اللي نشرت في جريدة البعث ما إتذاعتش من دمشق وجدت أنها إتذاعت من دمشق .. وبتذاع كل يوم الساعة عشرة ونص .. قبل ما انام .. وإلا الواحد يبقى ما هواش مُلم بسير التطورات.. علما الواحد طول النهار قاعد وعمال بيشتغل . " ( محاضر جلسات مباحثات الوحدة , إبريل / نيسان 1963 , سلسلة كتب قومية , الهيئة العامة للأنباء والنشر والطباعة , الجمهورية العربية المتحدة).
من الحوار السابق , نتبين بوضوح , كيف أخضع عبد الناصر نفسه لعملية " تثقيف ذاتي " وبطريقة منظمة ومنهجية .
الفكر الإستراتيجي
الواقع ان أهم مواهب عبد الناصر هي فكره الإستراتيجي المنظم والمنهجي الذي تلقاه بشكل مدرسي في كلية أركان الحرب المصرية , فلقد كان امتحان القبول بهذه الكلية هو نوع من المسابقة العامة بين المرشحين للدراسة بها , وكانت الدراسة باللغة الإنجليزية . والدراسة بكلية أركان الحرب العليا لا تقتصر على الموضوعات العسكرية بل تمتد الى التاريخ والسياسة الدولية .. وهنا كانت الدراسة المتأنية لجمال عبد الناصر … والنقطة الجوهرية في كلية أركان الحرب العليا والتي تمتد الدراسة بها لمدة عامين هي أنها تمكن الدارس بها من أن يفكر بطريقة منظمة ومرتبة ومنهجية وفي كل القضايا , وفي كل المشكلات التي يواجهها , كما تمكنه من حساب قدرات قواته وقدرة قوات الخصم , ومع مرور الزمن بالدراسة تصبح هذه الطريقة المنهجية المرتبة جزءا من تكوينه الفكري , وهدف هذه الدراسة أن يتمكن الدارس من مواجهة كل المواقف والأزمات بفكر هادئ ومرتب ليتخذ قرارا سليما . ثم أضيف لهذه الدراسة المنظمة موهبة جديدة هي موهبة " التدريس " في كلية أركان الحرب العليا وما يتطلبه التدريس من موهبة الشرح والاستيعاب وتخطيط النماذج والتمارين الذهنية والعملية وهي كلها أمور اتقنها عبد الناصر واتضحت بشكل رائع في محاوراته في مباحثات الوحدة الثلاثية عام 1963 .
المهم أن هذا " التفكير الإستراتيجي " عند عبد الناصر يمكن متابعته " تطبيقيا " في آدائه السياسي خلال الأزمات والمعارك السياسية التي خاضها خلال عقدين من الزمان في الداخل والخارج , أي منذ أن أسس تنظيم الضباط الأحرار وحتى وفاته .
يرجع الفضل في نشر تفاصيل هذه المعارك وجلاء أسرارها للأستاذ " محمد حسنين هيكل " في سلسلته التي نشرها وبدأت بكتابه " ملفات السويس " .. وهو كتاب مدرسي .. يشرح بطريقة " عملية " ومنظمة طرق إدارة الأزمات السياسية .. وكيفية التعامل مع موازين القوى وتحريك وحشد القوات .. والتقدم والتراجع في توقيتات معينة .. وكيفية التحضير للمعارك الوطنية بكفاءة .. وتوقع المفاجآت ... إلى آخره .
علم التخطيط والثقافة الإقتصادية
أما عن ثقافه عبد الناصر الإقتصادية فقد استطاع أن ينميها من خلال الإطلاع على التجارب الاقتصادية العالمية وما خاضته هذه التجارب من عثرات وأزمات .
ولعل أهم ميزة يجب ان يمتلكها أي مفكر اقتصادي هي قدرته على استيعاب المفاهيم " النظرية " لعلم " التخطيط " ولكن الأهم منها أن يتقن إنزال هذه المفاهيم والمقولات الى محك التطبيق العملي , ولعل هذا ما فعله عبد الناصر بالضبط , فقد أخضع نفسه لدراسة مكثفة لمقولات علم التخطيط :
تحت يدنا نص لجمال عبد الناصر , إجابةً عن سؤال وجهه له " ديفيد وين مورجان " مراسل " الصنداي تايمز " الإنجليزية , وذلك حين سأله قائلا : لا بد أن تجربة مسئولية الحكم كانت أمرا جديدا بالنسبة لعملكم السابق ؟
أجاب الرئيس عبد الناصر قائلا :
" صحيح .. وسرعان ما أكتشفت ان حكم بلد من البلاد يختلف اختلافا عظيما عن قيادة كتيبة من الجنود ومع ذلك , فقد كانت هناك وجوه مشتركة بينهما فقد عرفت في مرحلة مبكرة جدا ضرورة التخطيط , فالإصلاحات التي أردنا ادخالها لا بد من تنفيذها على أساس الخطة الطويلة المدى , ولقد شغل التخطيط بالي في هذه المرحلة , ورحت أتحدث عنه مع كل من تتيح لي فرصة أن ألتقي به , وتكون لديهم فكرة عنه أو تجربة .
"وإني أذكر أن موضوع التخطيط كان أول حديث طويل بيني وبين البانديت " نهرو " . وأثناء زيارة من زياراته للقاهرة , ركبنا يختا في النيل وأخذنا نتناقش لمدة خمس ساعات حول تجاربه الخاصة بالتخطيط في الهند .
ولم أكن استطيع أن أعتبر نفسي خبيرا , كما أنه لم يكن تحت تصرفنا إلا عدد محدود من الخبراء ولاسيما في المجال الاقتصادي – وهو مجال ذو أهمية حيوية – فالخبراء رغم كل شيء قد يكونون في بعض الأحيان عبئا , اكثر منهم عاملا مساعدا , فلقد يكونون متحجرين فيما ألفوه من أساليب , ولهذا فأني أفضل المفكرين على الخبراء . ان التفكير يجب ان يرسم الإطار العام للحركة ثم يجيء دور الخبرة في خدمة الإطار العام . "
( حديث الرئيس لديفيد وين مورجان , مصدر سبق ذكره )
هذه الإجابة تفسر لنا كيف كان الرئيس عبد الناصر حريصا على استقبال زوار كثيرين في القاهرة من الاقتصاديين والمفكرين كالفيلسوف الفرنسي " روجيه جارودي " أوعلماء التخطيط من أمثال المخطط الفرنسي الشهير " شارل بتلهايم ". 
وبمناسبة هذا الأخير , أي البروفيسور " شارل بتلهايم " .. فقد كان كتابه " التخطيط والتنمية " قد تُرجم إلى العربية بشكل لم يعجب الرئيس الراحل " جمال عبد الناصر " .. فأشار على المفكر والإقتصادي الكبير الدكتور " إسماعيل صبري عبد الله " , بإعادة ترجمته وتنقيحه ليكون سهلا وميسراً للمهتمين بقضايا التخطيط الإشتراكي وقضاياه المختلفة .
والذين إقتربوا من الرئيس عبد الناصر يعرفون شغفه الشديد بمقابلة المفكرين والفلاسفة الذين يزورون القاهرة والإستفادة منهم .. خصوصا المفكرين النظريين الذين يتميزون بالخيال والتوق الى تحقيق المستحيل وربط هذه الخبرة بما كان يستفيده من المثقفين " التكنوقراط " الذين لا تتجاوز معرفتهم حدود ما تلقوه من علم أو تدريب تقني لايرون أبعد منهما ولايميزون من خلالهما حدود الممارسة السياسية ذات الأبعاد التاريخية والفلسفية والإجتماعية والتي تتطلب معرفة كبيرة بالسيكولوجية الجماهيرية وحدود طاقتها وتحملها وإحتمالاتها .
الثقافة القانونية والدستورية
ربما كان من الواجب ان نتحدث قليلا في هذا المقال عن جانب من جوانب ثقافة " ليس معروفا للكثيرين ممن قرءوا عنه أو له .
فكثيرون لا يعرفون - مثلا - أن عبد الناصر كان قارئا نهما ل لفكر الدستوري المقارن وعلى درجة عالية من التخصص في هذا المجال .
ويقول كثيرون ممن اقتربوا منه أن تاريخ النظم السياسية كان من مواد القراءة المفضلة لديه وهو ما سنكتشفه فيما بعد .
ما نود أن نذكره هنا و لا يعرف الكثيرون أن الرئيس عبد الناصر هو الذي وضع " بنفسه" دستور 1956 ..
ولكن ما قصة هذا الدستور ولماذا وضعه عبد الناصر بنفسه ؟
الواقع أن عبد الناصر كان قد وعد الشعب المصري يوم 16 يناير 1953 بإعداد دستور للبلاد خلال فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات , وكان يستطيع – كما يقول الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه الرائع " هل كان عبد الناصر دكتاتورا ؟ " – ان يستمر في الحكم المطلق بدون دستور بعد أن انتصر على كل القوى التي تصدت للثورة . وكان في إمكانه أيضا ان يبقى مستبدا بالسلطة لأية مدة يريدها . وكان يستطيع أن يمد فترة الانتقال سنة أخرى أو أكثر كما فعل حكام من قبله ومن بعده . ولكنه أوفى بوعده أنهى فترة الانتقال وأنهى معها مجلس قيادة الثورة الذي كان مازال موجودا .
وكانت اللجنة التي شكلت لصياغة الدستور بقرار يوم 13 يناير 1953 قد انتهت فعلا من صياغته وقدمته لمجلس الوزراء يوم 17 يناير 1955 ولكن عبد الناصر رفضه .. لماذا رفضه ؟
… لأن هذا الدستور - كما يقول الدكتور عصمت سيّف الدولة - كان يأخذُ بالنظام النيابي الليبرالي البحت .
وقد تولى عبد الناصر شخصيا إعداد الدستور الجديد الذي أعلنه في 16 يناير 1956 أي في آخر يوم في الفترة الانتقالية التي وعد بها الشعب .
ان هذا الدستور , دستور 1956 , يستحق الانتباه الجاد من كل الذين يريدون أن يعرفوا موقف عبد الناصر من الديمقراطية بشكل عام ومن مشكلة الديمقراطية في مصر خاصة , ذلك لأن فيه صاغ عبد الناصر لأول مرة أفكاره عن الديمقراطية في نصوص دستورية . حول رؤيته لنظام للحكم .
ولأن في هذا الدستور عبّر عبد الناصر , بوضوح قاطع عن بدء القطيعة بينه وبين الديمقراطية الليبرالية .
تلك القطيعة التي ستتحول في مرحلة لاحقة الى عداء صريح .
لقد رأى عبد الناصر أن مشروع الدستور الذي وضعته اللجنة كان نموذجا للدستور الليبرالي الذي لا يعطي للشعب أي دور إلا في انتخاب نوابه ثم يعود بعدها الشعب للبطالة السياسية حتى تجرى انتخابات تشريعية جديدة وهو بين الفترتين لا دور له ولا استشارة .
لقد رأى عبد الناصر ان المشكلة قائمة بصفة أساسية في المستوى الشعبي فاعتقد ان الجماهير الراكدة التي حركتها هيئة التحرير لابد لها – لتكمل يقظتها – من أن تسند لها سلطات دستورية لتصبح " شريكة " رسميا في الحكم .
وهكذا جاء دستور 1956 يتضمن كافة الحريات والحقوق السياسية وقواعد النظام النيابي التي كان يتضمنها دستور 1923 مضاف إليه ما أراده عبد الناصر من أن يكون رئيس الجمهورية منتخبا من الشعب , وأن يستفتي رئيس الجمهورية الشعب في المسائل الهامة التي تتصل بمصالح البلاد , وألا يتم التعديل في الدستور إلا بعد استفتاء الشعب فيه . وتبع ذلك إطلاق حق الانتخاب من كل القيود تقريبا , فخفض السن الى 18 سنة وهي أقل من سن الرشد المدني (21 سنة ) ففتح مجال الممارسة الديمقراطية لأجيال جديدة من الشباب . وتقرر حق الانتخاب في مصر لأول مرة للنساء فدخل نصف الشعب – الذي لم خطر على بال أحد من قبل – مجالات الممارسة الديمقراطية وأصبحن الآن قوة انتخابية حاسمة الأثر . وتقرر حق الانتخاب للعسكريين فزالت لأول مرة في مصر وصمة التناقض المصطنع وغير المعقول التي تحرم الذين يصدون للدفاع عن الوطن حتى الموت من المساهمة في اتخاذ القرارات التي يتوقف عليها مصير الوطن ومصير حياتهم أنفسهم .
ثم أخيرا تقرر - لأول مرة - أن يصبح الانتخاب إجباريا وأن كانت العقوبة على التخلف عنه طفيفة ( جنيه واحد فقط ) وهذا الإجبار مع ضآلة العقوبة يكشف المدلول الديمقراطي العميق الذي أراده عبد الناصر .
فقد كان المقصود بذلك حث الذين لا يطيقون الغرامة البسيطة على ممارسة حقوقهم الديمقراطية وهم أغلبية الشعب من العمال والفلاحين والفقراء .. لأنهم هم الذين كان عبد الناصر مشغولا بمصيرهم .
وأستميح القارئ في أن يطالع معي هذا النص الذي يوضح موقف عبد الناصر من النظام الليبرالي ونظرية الفصل بين السلطات , كما فصلها جمال عبد الناصر في مباحثات الوحدة الثلاثية عام 1963 :
" أنا إتكلمت في المؤتمر الوطني وكنت ضد مبدأ فصل السُلطات أصلا .. وبأعتبر عملية فصل السُلطات دي خدعة وما يأخذنيش في هذا الدكتور البزاز – ليه ؟ لأن الحقيقة مافيش حاجة اسمها فصل السُلطات لأن اللي عنده الاغلبية في البرلمان هو اللي بياخد السُلطة التنفيذية والتشريعية .. إذن القيادة السياسية اللي عندها الأغلبية بتبقى في ايدها حاجتين .. السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية .. وإذا أصبح في أيديها السلطة التشريعية بالتالي اصبح في ايدها السلطة القضائية لأن السلطة القضائية خاضعة للسلطة التشريعية مهما قالوا عنها انها مستقلة . وان الكلام ده اللي طلع في فرنسا من أيام مونتسكيو عن فصل السلطات كلام نظري ولكنه واقعيا لم ينفذ ..ناخد إنجلترا كمثل , حزب المحافظين ألف الوزارة .. دخل الإنتخابات أخذ الأغلبية في البرلمان وفي أيد مين ؟ حزب المحافظين .. . إذاي بتقول هما فصل السلطات ؟ اذا فقد الأغلبية في السلطة التشريعية بالتالي بيصل له إيه ؟ .. لازم يسقط من السلطة التنفيذية .. إذن اللي عايز يحتفظ بالسلطة التنفيذية يجب أن يحتفظ بالسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية .. إذن القيادة للإتنيمن واحدة .. فهو مبدأ فصل السلطات ده عملية في الكتب ولكنها غير موجودة واقعيا أبدا… البلد الوحيد اللي ممكن يحصل فيها هذا الموضوع هي الولايات المتحدة الأمريكية … ولكن بينتج عن هذه الحقيقة تضارب كبير في العمل , وفيه أحد رؤساء الولايات المتحدة وسموه الرئيس " فيتو " كل قرار بييجي من المجلس .. هو ما عندوش أغلبية في المجلس .. كل ما ييجي قرار من المجلس يعمل عليه " فيتو " ويرجعه .. وبيحاولوا لغاية دلوقت يتغلبوا على هذه المشكلة بأن الرئيس ما يتقدمش بقرار إلا بنجيب الكونجرس من الحزبين وبياخد هذا القرار نتيجة هذا التشاور مع الكونجرس … ( أكتفي بهذا المقطع من حديث الرئيس عبد الناصر الطويل والذي أظهر فيه رؤية نقدية وجدلية صائبة للنظام الليبرالي ) .
في حواره آخر للرئيس عبد الناصر خلال مباحثات الوحدة الثلاثية .. وكان موضوعه هو طبيعة النظام السياسي الأمثل المقترح لدولة الوحدة فاجأ عبد الناصر محاوريه بثقافة موسوعية شاملة حول النظم السياسية السائدة في عصره .
بعد أن رأى عبد الناصر مراوحة محاوريه بين آراء متناقضة وأفكار متعددة ونظم سياسية مختلفة.
وهو كعادته .. صاحب الذاكرة الحادة فيما يخص الفروق الدقيقة لدساتير دول مختلفة في أنظمتها السياسية والدستورية .
فكان هذا الحوار عن الدستور الصيني أو اليوغسلافي و السوفييتي و الأمريكي في أكثر من موضع من هذه المحاورات :
قال الرئيس عبد الناصر لمحاوريه من قادة حزب البعث السوري والعراقي :
" .. في الصين فيه الآتي : تركيب الدولة .. فيه المجلس الوطني .. اللي هو أكبر حاجة وبعدين فيه وظائفه وسلطاته وبعدين اللجنة الدائمة للمجلس الوطني اللي هي تساوي مجلس الرئاسة لنواب الشعب .. هي هيئة دائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب وتتألف من الرئيس .. نواب الرئيس .. المجلس الوطني .. رئيس الأمانة للأعضاء .. وتمارس الوظائف والسلطات اللي هي حوالي 19 .
" وبعدين بعد كده فيه رئيس الجمهورية الشعبية الصينية اللي هو في الباب الثاني من الدستور الصيني , ليه سلطات .. وبعدين فيه مجلس الوزراء اللي هم بيسموه مجلس الدولة , اللي فيه رئيس الوزراء والوزراء يختلف عن روسيا اللي فيها رئاسة مجلس الأمة .. أو رئاسة السوفييت الأعلى هي رئاسة الدولة في الإتحاد السوفييتي .. فبنختار : يابنعمل زي الإتحاد السوفييتي .. نعمل مجلس رئاسة ونلغي منصب رئيس الجمهورية وكل السلطات تنبثق من مجلس الأمة .. يا بنعمل رئيس جمهورية ومجلس أمة ومجلس رئاسة لمجلس الأمة يباشر عمله في حالة عدم إنعقاده .. معنى هذا أن ان يبقى رئيس الجمهورية مالوش سلطة التشريع والمراسيم في حالة غياب مجلس الأمة .. يا بنعمل زي أمريكا .. نعمل جمهورية رئاسية , مفيش رئيس وزراء وفيه عملية فصل السلطات كلها . بالفعل زي الهند فيها فصل السلطات وجمهورية برلمانية . ( إنتهى هذا المقطع ).
هذا المقطع بثبت بما لايدع مجالا للشك , أن عبد الناصر كان على درجة " غير عادية " من الوعي " المتخصص " في الفقه الدستوري وعلم النظم السياسية , وأن إطلاعه في هذا الأمور يجاوز حدود " الهواية " الثقافية الى حد " الإحتراف التخصصي " !!
نهاية واجبة
قبل أن أختم هذه الدراسة يهمني أن اهدي للقارئ المهتم بمعرفة " عبد الناصر المثقف ) واقعتين تبينان مدى شغف الرئيس بالثقافة والقراءة باللغة الأنجليزية التي كان يجيدها قراءة وكلاما ونطقا , وتبين في نفس الوقت .. مدى اهتمامه بتثقيف من حوله من المساعدين .
القصة الأولى رواها الأستاذ " أمين هويدي " رحمه الله في كتابه " خمسون عاما من العواصف "
يقول الأستاذ " أمين هويدي " :
في احدى المرات وأنا أحاوره سألني فجأة " هل قرأت كتاب " رجال البنتاجون من فورستال الى ماكنمارا " ؟
يقول الأستاذ امين هويدي : " أُسقط في يدي وأجبت بالنفي , فنصحني بقراءته ..
وتساءلت متى ياريس ؟ أنا لا أجد وقتا وأنا أمرّ على المطارات بالهليكوبتر من الفجر .. ثم على مواقعنا الدفاعية .. ثم انظر في قضايا التسليح والميزانية واعادة التنظيم .. ثم أعالج مسئولياتي في رئاستي للمخابرات ..
المهم قرأت كتاب " رجال البنتاجون .. من فورستر إلى ماكنمارا " .. كيف قرأته وأنا فيما فيه ؟ بل كيف ترجمت كل أوراقه في احدى الكراسات ؟ لا أدري ...
ثم عاد " الرئيس " بعد فترة و سألني مرة أخرى ؟ هل قرأت الكتاب ؟
نعم قرأته ..
ما رأيك ؟
قلت له : أعجبني قول ماكنمارا حينما قال ان بقاءه لمدة ساعة واحدة في البنتاجون كان مستحيلا لولا مساندة الرئيس " .. وأضفت " ولولا ذلك لفعل مثل ما فعله الوزير " جيمس فورستر " حينما قفز من شرفة حجرته رقم 1618 بالدور 16 في مستشفى البحرية ومات منتحر " !! 
وفهم الرئيس الرسالة وهو يضحك ضحكته المكتومة .
(C . W Borrklund , Men of the Pentagon from Forstal to MacNamara, 1966,A.Preager , Publishers, New York, Washington, London . )
القصة الثانية نقلا عن الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه " عام من الأزمات "
يقول الأستاذ " محمد حسنين هيكل " في كتابه " عام من الأزمات " والذي يتحدث في جزء منه عن الفترة التي اعقبت نكسة يونيو 1967 مباشرة.
يقول الأستاذ هيكل : " ... كان اللواء حسن البدري اول من تنبه الى ان القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين , وبتأثير النشوة التي أخذتهم , قد تركوا ألسنتهم تتحرر من أي ضوابط أو قيود وهم يتحدثون عن تجربة الحرب ... وكتب مباشرة الى جمال عبد الناصر يقترح ان تتولى المخابرات جمع كل ما قاله القادة العسكريون والسياسيون الإسرائيليون في " نشوة النصر " وسكرته مكتوبا على ورق أو منطوقا وراء ميكرفون أو مصورا أمام عدسة , حتى يوضع كله " تحت المجهر لدرساة معمقة .... وقبل " عبد الناصر " بإقتراح " حسن البدري " بل وتحمس له مقدرا فائدته في الإعداد لمرحلة جديدة من العمل العسكري ... وفي ظرف أسبوعين كانت امكانيات الدولة المصرية في الخارج قد استطاعت الحصول على أوراق بالأكوام وتسجيلات بالصوت تزيد على ستمائة ساعة و وشرائط مصورة تزيد المدةاللازمة لعرضها عن 130 ساعة ...وقد لقيت هذه " المواد الوثائقية " التي وصلت للقاهرة مقروؤة ومسموعة ومرئية إهتماما مركزا من " جمال عبد الناصر " وطلب تخصيص قاعة في مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة في مدينة نصر تكون جاهزة بالأوراق والملفات والشاشات وآلات العرض , ثم تكون هذه القاعة مفتوحة للقادة المصريين .. وقد حضر بنفسه مع الفريق " محمد فوزي " القائد العام والفريق " عبد المنعم رياض " رئيس الأركان وقرابة عشرين ضابطا من كبار قادة القوات المسلحة , وراحوا يتابعون ويسجل بعضهم ( ومعهم جمال عبد الناصر ) ما يلفت إهتمامهم فيما يسمعون ويرون ... وأذكر أنه بعد إحدى الجلسات و وكانت الشرائط المصورة ثلاثة أحاديث متواصلة ل " موشي ديان " , أن أخذني الفريق " عبد المنعم رياض " جانبا وسألني هامسا " ما هذا الذي يفعله " الرجل الكبير " بنفسه ؟!! .. لماذا يصر على سماع ورؤية كل هذه التسجيلات ؟!
وأضاف " عبد المنعم رياض : " هذه جرعات من السم يعطيها لنفسه كل يوم , وبصرف النظر عما فيها من معلومات فإنها تحوي الكثير من البمبالغات وأيضا الكثير من الأكاذيب ...
وكان رأيي ( والكلام لمحمد حسنين هيكل ) أن التجربة مهما كانت عذاباتها فستكون مفيدة .. فإذا لم يجلس " هو " ( يقصد عبد الناصر ) ليرى هذا كله بنفسه فإن الجميع سوف يعّفون أنفسهم منها .. و وتلك لو سمح " هو " بها فستكون خسارة .. ثم إنني ( والكلام لازال لهيكل ) أعتقد أن " جمال عبد الناصر " يستفيد كثيرا من ملامسة جانب آخر من الوقائع مهما كان كئيبا وغليظا " ( انتهى النص المقتطف من كتاب محمد حسينين هيكل(
هل تحتاج هذه القصة الى تعليق ؟
ألم يكن رائعا هذا " الرجل الكبير " .. جمال عبد الناصر !!.
See Translation
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
جمال عبد الناصر .. مثقف ثوري من طراز فريد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات سيفن ستارز :: قسم الموضوعات العامة :: الموضوعات العامة-
انتقل الى: